قبل أيام دعاني أحد الشباب لإلقاء خاطرة عن الغيبة لطلاب المرحلة الإعدادية فقبلت دعوته ، وكانت هذه الخاطرة أو الدرس
الغيبة فاكهة المجالس .
بعد الحمد والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم .
مقدمة الخاطرة والدرس :
بينما كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا مع أصحابه سئل عن أكثر ما يدخل الناس النار فقال: ((الفم والفرج)) . والمقصود بالفم : اللسان .
نعم هذا العضو الصغير في حجمه هو من أكثر ما يدخل الناس النار ، فيا سبحان الله ، ويا لخورة هذا العضو . إذا كان الأمر كذلك فلابد لنا أن ننتبه إلى ألسنتنا وما يخرج منها وما تتكلم به حتى لا يدخلنا النار والعياذ بالله .
والنبي صلى الله عليه وسلم قد حثنا في أحاديث كثيرة على أن ننتبه إلى ألسنتنا وحثنا على ضبط ألسنتنا .
فقال عليه الصلاة والسلام : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت )
وقال في حديث آخر : ( من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه دخل الجنة ) .
وفي حديث آخر يقول لأحد الصحابة : ( أمسك عليك هذا ) فيقول الصحابي : وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به ؟ قال ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ) .
واليوم موضوعنا عن كبيرة من الكبائر هي من حصائد الألسن . ألا وهي الغيبة .
لم سميت الغيبة بهذا الاسم ؟
سميت بذلك لأن الشخص الذي يتكلم عنه المغتابون غائب وليس بحاضر .
لذلك الغيبة إذا دلت فإنما تدل على ضعف الذي يغتاب الناس فالغيبة لا يحسنها إلا الضعفاء والجبناء . لو كان الذي يغتاب الناس جريئا وشجاعا لتكلم بالكلام أمامهم .
وهنا أذكر قصة حدثت معي شخصيا ، ومن يومها كرهت الغيبة وبان لي قبحها وسوءها .
كنت مدعوا على حفل وعرس أحد الناس ، وقد تواعدت مع أحدهم على الذهاب للفندق سويا ، ولكن كان عندي برنامج دعوي شبابي فتأخرت ولم يبق معي سوى طالب لتوصيله إلى بيته ، وصاحبي الذي تواعدت معه يكاد يحرق هاتفي المتحرك من كثرة ما يتصل بي ، فقررت أن أمر على صاحبي ثم أوصل الطالب في طريقي حتى لايغضب مني صاحبي . ونحن في طريقنا إلى صاحبي قلت للطالب أريد منك أن تختبيء في الخلف وعندما يركب صاحبي تخرج لتخوفه لنرى ردة فعله ، ولا أدري كيف رضي الطالب بهذه السرعة ووافق على الاقتراح ، ولا أدري لم اقترحت هذا الاقتراح مع أني أعلم حرمته وكراهة تخويف المسلم وترويعه . ولكن قد تم الأمر بسرعة وركب صاحبي معي وكنت أنتظر أن يخرج الطالب ليروع صاحبي ولكنه تأخر ولم يخرج ولم يشعر به صاحبي . المهم كان الطريق إلى بيت الطالب عكس الطريق إلى الفندق ، فسألني صاحبي لم لا تسلك الطريق المعاكس فهو أقرب إلى الفندق ، فقلت له سنمر على بيت فلان ( والد الطالب ) ، وما إن سمع صاحبي اسم والد الطالب حتى بدأ يتحدث عنه بكلام غير لائق وفيه سخرية بوالد الطالب ولم يعطني فرصة لأخبره بأن ولده معنا في السيارة في الخلف ، وبدأ يتحدث ويتحدث عن والد الطالب والطالب في الخلف يسمع ، فلما وقفنا عند بيت والد الطالب سمع صاحبي صوت الباب الخلفي يفتح ، فاندهش والتفت إلى الخلف ليعرف من الذي كان في السيارة وسمع الكلام ، تفاجأ صاحبي عندما أخبرته بأنه ابن من كان يتكلم عنه بسوء وسخرية ، الطالب والابن لم يستطع أن يعرف بنفسه من شدة اندهاشه من الكلام الذي صدر من صاحبي في حق والده .
صاحبي لم يعرف ماذا يقول صراحة ، فقد أحرج إحراجا شديدا من الموقف الذي وضعته فيه ولم أكن لأقصد وقوع ما حدث ، ولكن أمر الله تعالى وقضاءه قدر أن يحدث ذلك .
ولا أخفيكم سرا أن صاحبي ظل طوال العرس والعشاء مهموما ومغتما ، ألتفت إليه بين فترة وأخرى فأرى على وجهه علامات الهم والضيق مما فعله وقاله من غيبة ذلك الأب .
ما هو تعريف الغيبة ؟
عرفها النبي صلى الله عليه وسلم بعبارة قصيرة جامعة مانعة . سأل أصحابه نفس السؤال فقال : "أتدرون ما الغيبة؟ قالوا : الله ورسوله أعلم، قال : هي ذكرك أخاك بما يكره، قيل : أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال : إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته" [ رواه مسلم وأحمد وأبو داود والترمذي ] .
إذا الغيبة هي ذكر أي شخص في غيابه بشيء لو سمعه كرهه . هذا هو الضابط أن يكره الغائب ما يقال عنه في غيابه لو قيل له في حضوره .
لذلك الغيبة تكون بأي لفظ أو كلام يؤذي الناس الغائبين إذا سمعوه . حتى الإشارة التي يقصد منها عيب الآخرين تكون غيبة .
تقول عائشة رضي الله عنها : دخلت علينا امرأة فلما ولَّت أومأت بيدي أنها قصيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: "اغتبتيها". عن عائشة رضي الله عنها قالت : قلت : يا رسول الله، حسبك من صفية أنها قصيرة، فقال صلى الله عليه و سلم : "لقد قلت كلمةً لو مُزجت بماء البحر لمزجته".
إن الغيبة هي أن تذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه ذلك، سواء ذكرته بنقص في دينه أو في بدنه أو في نسبه أو في خلقه أو في فعله أو في قوله، حتى في ثوبه ونحو ذلك .
هل ذكرت الغيبة في القرآن وكيف صور الله تعالى الذي يغتاب الناس ؟
ذكرت في سورة الحجرات في قوله تعالى : ( ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه ) . سمع علي بن الحسين رجلاً يغتاب فقال: إياك والغيبة فإنها إدام كلاب الناس .
إذا الغيبة هي طعام كلاب الناس ، الكلب حيوان مفترس يأكل اللحم . وكذلك هناك من الناس بشر في هيئة إنسان لكنه بالغيبة يتحول إلى حيوان مفترس يأكل لحم إخوانه في غيابهم ويتعرض لأعراضهم .
روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رجلاً اعترف بالزنا أمام رسول الله صلى الله عليه و سلم أربع مرات، فأقام عليه الحد، فسمع الرسول صلى الله عليه و سلم رجلين من الأنصار يقول أحدهما لصاحبه : انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه، فلم يدع نفسه حتى رُجم رجم الكلب، قال : فسكت رسول الله صلى الله عليه و سلم . ثم سار ساعة فمرَّ بجيفة حمار شائل برجله - أي قد انتفخ بطنه - فقال عليه الصلاة والسلام: "أين فلان وفلان؟" فقالا: ها نحن يا رسول الله، فقال لهما : "كُلا من جيفة هذا الحمار" فقالا : يا رسول الله، غفر الله لك، مَنْ يأكل من هذا؟ ! فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: فما نلتما من أخيكما آنفاً أشد من أكل هذه الجيفة، فوا الذي نفسي بيده، إنه الآن في أنهار الجنة ينغمس فيها" [ رواه أحمد وصححه الألباني ] .
للأسف البعض يغتاب الناس لإحساسه بأنه أفضل منهم،
وهنا تأتي الآية الكريمة تخاطبنا فتقول : ( يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ...) . النبي صلى الله عليه وسلم بين للرجلين أن الرجل الذي اغتابوه ووصفوه بالكلب بأنه الآن في الجنة ينغمس في أنهارها وهما بعدهما في الدنيا لايدرون ما مصيرهما .
كما تدين تدان ؟؟ ومن عاب ابتلا .
أحيانا تسول لي نفسي أن أغتاب أحد الناس بوقوعه في معصية أو بسبب عيب فيه فما الذي يردعني . يردعني كلام أنس بن مالك : قال أنس بن مالك: "أدركت بهذه البلدة – المدينة – أقواماً لم يكن لهم عيوب ، فعابوا الناس ، فصارت لهم عيوب ، وأدركت بهذه البلدة أقواماً كانت لهم عيوب فسكتوا عن عيوب الناس ، فنسيت عيوبهم" . وكلام الحسن البصري حيث قال : كنا نتحدث أن من عير أخاه بذنب قد تاب إلى الله منه ابتلاه الله عز وجل به . وصدق من قال : ( من عاب ابتلى ) حقيقة أيقنت بها وتفكرت في واقع الناس وفي القصص الكثيرة التي سمعتها وشاهدت بعضها فأيقنت صحة هذه العبارة ( من عاب ابتلى ) . وكما تدين تدان .
هل نحب لإخواننا ما نحب لأنفسنا ؟
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه )
إذا وقع أحدنا في أمر فاضح ، هل يحب أن يكون هو فاكهة المجالس ويصبح اسمه على كل لسان . فكما لا يرضي واحد منا أن يذكر على الألسنة بالسوء فغيرنا كذلك لا يرضى .
نشجع غيرنا على الغيبة ونحن لا نشعر ، كيف يكون هذا ؟
لابد أن أعلم وتعلم أخي الحبيب أن المغتاب لو لم يجد أذناً صاغية لما اغتاب واسترسل في الحديث، فأنت باستماعك الحديث وعدم إنكارك عليه تكون مشجعاً على المعصية، وإذا لم تنكر عليه ولم تترك المجلس إذا لم يرتدع وينتهي عن الغيبة فإنك تكون شريكاً في الإثم .
متى تجوز الغيبة ؟
بعض حالات جواز الغيبة :
- الاستفتاء:
جاءت هند بنت عتبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح ، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم ، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : ((خذي ما يفكيك وولدك بالمعروف)) .
التحذير من الشر ونصيحة المسلمين
جاءت فاطمة بنت قيس إلى النبي صلى الله عليه وسلم تستشيره في أمر خطبتها وقد خطبها معاوية وأبو الجهم وأسامة بن زيد فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : ((أما معاوية فرجل ترب لا مال له ، وأما أبو الجهم فضراب للنساء ، ولكن أسامة بن زيد)) .
المجاهر بنفسه المستعلن ببدعته:
استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((ائذنوا له، بئس أخو العشيرة ، أو ابن العشيرة)) .
قال القرطبي : في الحديث جواز غيبة المعلن بالفسق أو الفحش ونحو ذلك من الجور في الحكم والدعاء إلى البدعة .
ومما يدل على اتصاف هذا الرجل بما أحل غيبته ما جاء في آخر الحديث، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((أي عائشة، إن شر الناس من تركه الناس أو ودعه اتقاء فحشه)).
كتبها أ. جعفر في 05:47 مساءً ::
الغيبة من اخطر الكبائر علي الاطلاق
وقد بينصاحب المقال جزاه الله خيرا ذالك بمافيه الكفايه
جزاه الله خيرا
الاسم: أ. جعفر

